عَشرة أيام طويلة
هل كان له أن يفعل ذلك ...هو ضعيف جداً أضعف مما كان يتخيل كان عندما يدخل إلى أي مكان يختار أبعد زاوية بعيدا عن المركز...هل كان ضعيفا إلى هذا الحد هناك العديد من التساؤلات تدور في رأسه في الواقع ليس في رأسه هو فقط وإنما في رؤوس الآخرين كل حسب نيته البعض يشعر بالشفقة عليه والبعض الآخر يريد أن يثبت لنفسه أنه صاحب قلب طيب والبعض الآخر يحاول أن يثبت للآخرين أنه صاحب قلب طيب ...لا أدري أيهما الأسوأ من يحاول الإثبات لنفسه أم للآخرين ...أما هي فكانت في غاية الجمال كانت عندما تدخل إلى أي مكان تجلس في المكان الذي يمكن لأي شخص رؤيتها فيه ..هي لا تحاول أن تثبت جمالها لأنها تعتقد أنها الجمال نفسه كان الجميع يطمح لكلمة منها ولكنها لم تكن تلق لهم بالاً ..كانت تشعر بالغيظ عندما ترى ذلك الجالس في الركن البعيد لا يعيرها انتباهه أو -هكذا كانت تظن- كانت تعتقد أنه يظن نفسه أفضل منها وأنها أقل منه مستوى .. هذا الشعور يحفز مشاعر الأنثى فتحاول الاقتراب منه لكنه كان ينسحب سريعاً كانت تقول لنفسها لا بد أنه أحد الشعراء الذين كثيراً ما يصابون بلوثات عقلية لذلك يحب أن يجلس لوحده .. كانت تتخيل تلك الأبيات الشعرية التي تدور في رأسه رغم أنه كان رأساً فارغا لا يحتوي إلا على شعور بعدم الثقة وخوف إذا حاول الاقتراب منها في الواقع كان يخشى أكثر من ذلك كان يشعر أنها تعطيه أكثر من حجمه كان يعرف أنها لا تشفق عليه بل هناك شيء أخر ..يفكر ... الصداقة ..الاهتمام ..الإعجاب.......الحب.. حينها يشهق فمه ويفتح عينيه على اتساعهما حتى أن الجالس بالقرب منه شعر بهذا التغيير المفاجئ لمعالمه فضحك كثيراً وأضحك من هم حوله ..أما هو فقد كان في عالم آخر كان مصدوما من هذا الاستنتاج الذي توصل إليه ...لأكن أكثر وضوحاً هو كان خائفاً من هذا الشعور كان شعوره بعدم الثقة في نفسه يدفعه للخوف من أن يفقد حبها المفترض حتى قبل أن يحصل عليه ..! في الجهة الأخرى كان هناك شاب في المنتصف تماماً جالس على إحدى الموائد التي تتوسط المكان حوله أصدقاءه الذين يصدقون كل ما يقوله ويهللون لكل بطولاته كان هذا الشاب يشعر بما يحدث بين تلك الفتاة الجميلة وبين ذلك الضعيف الجالس في الزاوية .. ما كان يثير حنقه أنها تهتم به وتهمله هو وما يشعره بالقهر أنها لا تعرف حقيقته .. هذا الشعور يدفعه لاضطهاد ذلك الكيان الضعيف والمهزوم من الداخل قبل الخارج يتقدم ذلك الشاب نحوه واصطنع أنه تعثر بسبب قدم ذلك الضعيف وكاد أن يسقط فما كان منه إلا أن رفع صوته عليه ..ابتلع المهزوم ريقه حتى أصبح حلقه صحراء قاحلة والمشكلة أنه ابتلع لسانه أيضاً فلم يتكلم بتاتاً .. ظن الشاب أنها إهانة منه فزاد من اعتدائه ورماه بمنفضة السجائر فإذا الرماد يدخل في عينيه لكنه ما زال صامتاً .. عند تلك اللحظة انتبهت هي لما يحصل في ذلك الركن البعيد أما هو فكان أقصى ما كان يرجوه أن تنتهي المشكلة عند هذا الحد لكن الآن فات أوان التمني ...أمسك الشاب بكأس ماء وسكبه على رأسه فأصبح مبتلاً بالكامل أصبح الماء يتقاطر عن ملابسه كمن جلس تحت المطر لساعات عند تلك اللحظة انتبه إلى أنها تنظر أليه في الواقع لاحظ أن الجميع ينظر إليه ..هؤلاء المتعاطفون واؤلئك الشامتون لكن يشمتون مماذا ؟ عندها ضربه الشاب على صدره ولكزه حتى اصتدم رأسه بالجدار حتى أن جانب عينيه قد بدأ يسيل بالدم ..كانت تقول لنفسها الآن سيقوم لينتقم لنفسه .. لكنه انتشل من جيبه ما تبقى من ما يمكن تسميته ورق تنظيف بعد أن أصبح غارقاً في الماء وسكت. عندها أصيبت بذهول عميق لم تيقظها منه إلا ضحكات رفيقاتها عندها تحول شعورها بالانجذاب لشعور بالخداع سرعان ما تحول سريعاً لشعور بشفقة خاصة تشع من عينيها ... كان هذا آخر شيء يؤمله أن يرى هذا الشعور منها هي تحديداً لكنه بدى واضحاً جداً بدى واضحاً أنه يخسر حتى أحلامه بعد أن خسر مستقبله أو هكذا ما كان يظنه ... ما العمل كان يفكر ... شعر بنار تحرق أعلى معدته وكأنها أصبحت بركاناً ينفث حممه إلى صدره كان هذا شعوراً بسيطاً ثم أخذ بالتزايد بشكل كبير لكن رغم ذلك بدت عليه علامات الفرح .. الجميع حوله ظنوه مجنوناً كيف لمن هو في وضعه أن يبتسم لا بد أنه فقد عقله .. حاول البعض أن يتدخل لكن أصدقاء ذلك الشاب منعوهم ..رفع يده كي يصفعه وهوى بيده ولكن في تلك اللحظة وقف على قدميه وأخذ يصرخ صرخات هزة المكان ... هو فرح جداً لقد تعلم كيف يغضب ... نعم انه شعور مفرح ...أن تعرف كيف ومتى تغضب ...دفع عنه ذلك الشاب وبضربة واحدة طرحة أرضاً ... شعر العديد من الحضور بالخوف ... نعم لقد تجاوزوا الذهول سريعاً ودخلوا بالخوف ..انقض عليه وأوسعه ضرباً ثم التفت لمن هم حوله ونالهم نصيبهم ولكن في غمرة ثورانه شيء حاد اخترق ظهره ولا مس شغاف قلبه ثم سكن وسحب بسرعة فائقة ليمزق ما تبقى من لحمه ...آه ما أقسى الحياة تأخذ منك كل شيء عندما تظن أنها أعطتك كل ما تريد ... كان يحاول أن لا يسقط يتكئ على الجدران على المقاعد على أي شيء المهم ألا يسقط ...لأول مرة منذ مدة طويلة لا يذكر متى كانت لا يرغب بالسقوط والركوع لكنها هذه المرة غير كل مرة ... هذا سقوط لا مفر منه ولا بد منه بينما هو يترنح شعرت بشيء يدفعا للأمام وكأن هناك من اقتادها للأمام لكي تسنده حتى لا يقع كانت هي لا تريده أن يقع ...لا أدري لماذا ... هو مصاب يجب أن يستريح حتى لا ينهك أكثر من ذلك لكنها أرادته واقفاً في وجه من أهانه أو في الواقع أرادته واقفاً لتثبت لنفسها أنها لم تكن خاطئة وأن شعور الشفقة لم يكن في محله ...كاد أن يلمس الأرض لكنها أسرعت إليه وضمته إليها واحتضنت رأسه كان هذا أول صدر يضمه منذ كان رضيعاً لأن أمه ماتت منذ زمن بعيد لا يذكره ...سقطت دمعة من عينها على وجهه ...حارة جداً... لدرجة أنها ايقضته من غيبوبته ...أخذ الألم يشتد والرؤيا تختفي تدريجياً لكن رغم ذلك استطاع رؤية وجهها الجميل قال في نفسه ما أجملها ...أخيراً شعر بالأمان الذي افتقده منذ زمن ... حتى وهو يموت شعر بالأمان لأنه كان متأكدا أنها من حور الجنة زفر آخر أنفاسه مع خروج روحه تبعتها عيناه وسافرت ورائها في الأفق البعيد... قد تظنوه جباناً ولكن لا تحكموا عليه سريعاً يجب أن تعرفوا أنه نمر في اليوم العاشر ... قضى عشرة أيام في سجن المخابرات ...أطول عشرة أيام في التاريخ.