اختلاؤه عليه السلام في غار حراء
لقد حبب إلى الرسول عليه السلام الاختلاء في غار حراء
عندما أخذت سنه تدنو نحو الأربعين ولهذه الخلوة دلالة عظيمة
فهي توضح أن المسلم لايكمل إسلامه مهما كان متحلياً بالفضائل قائماً بألوان العبادات حتى يجمع إلى ذلك ساعات من العزلة والخلوة يحاسب فيها النفس ويراقب الله تعالى ويفكر في مظاهر الكون ودلالة عظمة الله
وحكمة ذلك أن للنفس آفات لا يقطع شرتها إلا دواء العزلة عن الناس ومحاسبتها في نجوة من ضجيج الدنيا ومظاهرها كالكبر والرياء والحسد فهذه آفات من شأنها أن تتحكم في النفس وتتغلغل إلى أعماق القلب وتعمل عملها التهديمي في باطن الإنسان على الرغم مما قد يتحلى به ظاهره من العبادات وليس لهذه الآفات من دواء إلا أن يختلي صاحبها بين كل فترة وأخرى مع نفسه ليتأمل في حقيقتها ومدى حاجتها إلى عناية الله ثم ليتأمل في الناس ومدى ضعفهم أمام الخالق ثم ليتفكر في مظاهر عظمة الله وفي اليوم الآخر والحساب وفي عظيم رحمة الله وعظيم عقابه
فعند التفكير المتكرر في هذه الأمور تتساقط تلك الآفات اللاحقة بالنفس ويحيا القلب بنور الصفاء
وأيضاً فإن للخلوة أهمية بالغة وهي تربية محبة الله عز وجل في القلب
فمحبة الله لا تأتي من مجرد الإيمان العقلي به وإنما من كثرة التفكير في آلائه ونعمه والتأمل في عظمته ثم الإكثار من ذكره وكل ذلك يتم بالعزلة والابتعاد عن شواغل الدنيا في فترات متقطعة متكررة من الزمن
والاختلاء الذي كان يمارسه الرسول قبيل بعثته كان لتحقيق هذه الأهداف
ولكن الخلوة لا تعني الانصراف الكلي عن الناس فالمراد منها أن تتخذ دواء لإصلاح الحال والدواء لا ينبغي أن يؤخذ إلا بقدر وعند اللزوم وإلا انقلب إلى داء ينبغي التوقي منه