يرن جرس المنبه فى الهاتف المحمول باصرار ليعلن تمام السابعة صباحا
يمد يده فى ضجر ليغلق المنبه ،يتقلب حينا فى الفراش محاولا استرجاع نشاطه
،فهو لم ينم الا اربع ساعات فقط يصحو من نومه ،يدخل الحمام ،طرقات الام
العجوز تنبهه الى اقتراب موعده ،يتعجل متأففا
-اعمل لك سندوتشات ياحبيبى
-شكرا
-طب احضر لك كوباية شاى
-لا ياماما ،شكرا
يخرج سيجارة ليشعلها
-يابنى بلاش سجاير عالريق كده ،ده غلط على صحتك
بنفاد صبر يجيب
-حاضر ياماما
-معلش يابنى انا عاملة على صحتك
يرتدى ثيابه معجلا ،يهندم نفسه امام المراة ،محاولا استرجاع بقايا اناقة كانت لديه ،ترى فيم مضى العمر ؟
الاعوام تجرى به وهو يكاد يلاحقها ،تفلت من بين يديه كحبات الارز،متى
سيتزوج وينجب اولاد، متى سيعيش حياته الحقيقية ،منذ سنتان كان قد اتم عقده
الثالث ،اصدقاءه وزملاء العمل اغلبهم متزوج ،والباقون اما لا يستطيعون
،واما قادرين ولكن يتلكئون،مغفلون
يعتبر نفسه من زمرة القادرين ،ولكن مع ايقاف التنفيذ ،كل من تعرف عليهن من الفتيات لا يرتضين العيش مع امه ويطالبنه بشقة مستقلة لهن
معهن حق ،من يقبل معاشرة امراة عجوز لحوحة ،تتدخل فى كل شيئ ؟
ولكن ، من اين له بشقة فى مثل تلك الظروف الخانقة التى لا تسمح بتوفير عشة فراخ من دون مقدم وخلو ومصاريف
-ياللا يابنى عشان ماتتأخرش
-حاضر ياماما ،مش عاوزة حاجة؟
-سلامتك ياحبيبى
طبعت على خده قبله ،دفن اثرها فى نفسه وخرج
-خللى بالك من نفسك ،ربنا يكتبلك بكل خطوة سلامة يارب
ظلت واقفة على السلم حتى غاب عن بصرها
عند المدخل ،حين تاكد ان لا احد يراه ،اخرج منديل ومسح عن خده اثر القبلة
كما هو معتاد دوما ،خصوصا اثناء الصيف ،فالحر والرطوبة ،واثر قبلة امه
الندية على خده يجعلانه يضيق بكل شيئ
**************************
القى نظرة خاطفة على زملاؤه فى العمل
-السلام عليكم
-وعليكم السلام
-امال فين محمود
-واخد اجازة النهارده
-خير كده
-البقاء لله ،امه توفيت فجر اليوم
-لاحول ولاقوة الا بالله
-طب احنا عاوزين نروح نعزيه يا جماعة
-طبعا دا واجب علينا ،ان شاء الله بعد مانخلص شغل نروح نعزيه فى البيت
**************************
فى صالون منزل محمود جلس اصدقاء العمل يعزونه
-البقاء لله يابوحنفى
-شد حيلك
-فى الجنة ان شاء الله
بعد فترة صمت قصيرة ، يتمتم محمود بحزن
-ماليش فى الدنيا غيرها،سابتنى لوحدى ،سابتنى من قبل ما اصالحها،قبل
النهارده بيومين كنت مزعلها منى ، اتعصبت عليها من غير سبب ،ومالحقتش
اصالحها،سامحينى يامه،سامحنى يارب
قال الجملتين الاخيرتين فى صوت باكى ،ثم انخرط فى بكاء متشنج،كانه طفل صغير عنفته امه امام الاخرين
*************************
صباح اخر جديد
يذهب الى العمل مرهقا مكدودا
فهو لم يأخذ راحته بالنوم ،كما ان تلك السيدة العجوز تصر على تعكير صفوه بطلباتها
كانت قد الحت عليه ان يقوم ليصلى الفجر معها ،فقام متذمرا ،لماذا لم تتركه
ينام تلك السويعات القليلة قبل الذهاب للعمل ،هوف ،حاجة تضايق
ثم تاتى الساعة السابعة فيشترك الاثنان،المنبه وامه ،فى تعكير صفوه الذى كاد يصبح طقسا يوميا يلازمه كظله
وجد زميله محمود جالس على مكتبه يهمس فى هاتفه المحمول،ربما كان يهمس
لخطيبته بكلام معسول ،ااااخ ،ياله من محظوظ ،طبعا الشقة بقت فاضيه عليه ،
يوضبها ويتجوز فيها ،ومين اللى تقولّه لأ ساعتها ،مين اللى ترفض فرصة
رائعة قلما تتواجد
-يابختك ياعم
قالها فى سره وهو يراقبه بحسد
ينهى محمود المكالمة ،ويتنهد،يلتفت اليه ويقول
-ايه ،ازيك
-الحمد لله
-ازاى الحاجة والدتك
-الحمد لله ،بخير
-ربنا يخليهالك
تضجر وجهه واشاح بيده
-ايه مالك ،خير
-لسه متخانق معاها من فترة
-ليه كفا الله الشر
-كل يوم ،قلق وقلة راحة،مش عارف اخد راحتى،حتى يوم الاجازة ،لازم اجيب
الجرنال واقراهولها ،وبعدين لو فيه زيارة لحد من قرايبها او قرايب المرحوم
والدى ويضيع اليوم على كده،لا سينما ولا اصحاب
-ياعم ،دا زيارة الاقارب دى فيها خير وثواب كبير
-ايوه بس انت مش عارف زيارات العواجيز دى ،مليانه رغى بكلام مالوش لزمه ،كلام بتاع الصحة والاحوال ،وحال الدنيا وكده
-ههههههه ،ربنا يعينك
-ايوه ياعم مانتا بقيت فاضى
تنسحب ابتسامة محمود من وجهه لتحل مكانها نظرة حزن عميقة
-انت بتحسدنى ،على ايه،على الهنا اللى انا فيه
-مانت خلاص هاتتجوز،وحياتك هتتملى من جديد
-ايوه لكن اللى هاتجوزها دى هاتعوضنى عن امى؟
**************************
يوم جديد
وهو مستلق على السرير بين النوم واليقظة،ينتظر جرس المنبه ليرن كالمعتاد
،او ان تاتى امه لتوقظه قبل جرس المنبه احيانا حين تخشى تأخره
يتسلل صوت المذيعة بالراديو ليعلن نشرة انباء الثامنه ،يقوم من نومه فزعا
،نظرة خاطفة على المحمول يعرف منها انه مغلق لنفاذ البطارية ،يخرج مسرعا
ليرى امه ،غريبة لم تفعلها من قبل،يعلو صوته بحده وغضب
-ماما ،ليه ما صحتينيش من النوم ،هو عشان ما احنا متخاصمين تقومى تضيعى عليا اليوم كده
يتذكر نوبة الغضب التى انتابته امامها عندما طالبته بزيارة احد اقاربها فى
الاجازة ،وكيف انها تقبلت غضبته عليها بصمت مؤلم حزين ،وكيف انه قاطعها
باقى اليوم ،ولم يقرأ لها الجريدة كعادته ،نعم استمر الخلاف بينهما يومين
،وكان قاسيا معها طيلة تلك الفترة ،لكن ذلك لا يمنعها من ايقاظه كالمعتاد
فى موعده
اقتحم الغرفة عليها بقوة ،فوجدها ممددة على السرير نائمة فى هدوء
-ازاى تسيبينى نايم كل ده؟
اقترب منها ،هزها بشده من كتفها ،لما لم تستجب له،هدأت حدته قليلا ،هزها برفق تلك المرة ،خرج صوته على الرغم منه مرتجفا
-اصحى يا ماما
لم يجبه الا الصمت والسكون،حرك يده ليلامس جبهتها فوجدها باردة ،امسك يدها يتحسس النبض فلم يجده
-ماما ..............ماما
كان نداؤه خافتا تلك المرة ،وكانه يخشى ايقاظها
-اصحى عشان خاطرى
************************
فى منزله تلك المرة ،يعلو صوت الشيخ عبد الباسط من مسجل ستريو،بينما خلا
البيت تقريبا من الاثاث ،وتراصت بدلا منه كراسى خشبية تناثر عليها بعض
المعزين،وهو جالس بجوار زميله محمود ،عيناه حمراوان ،وجفونه ملتهبه ،مطأطئ
الراس
خلا البيت تقريبا الا منه ومن محمود بعد انصراف اغلب المعزين ،يربت محمود على كتفه
-شد حيلك
هز راسه فى صمت ،بينما تتساقط دموعه على الرغم منه
-فات اسبوع وانت على الحال ده
-اعمل ايه بس
-لازم تشوف حالك ،ترجع شغلك ،الوالده ان شاء الله فى الجنه ،كفاياك حزن عليها
-عمرى ما هابطل حزن عليها
-معلش ،دى سنة الحياة ،وبعدين يا اخى هى مش ماتت وهى راضية عنك؟
نظر اليه ودموعه تتساقط ،نحيبه يمزقه ،وقال فى سره
-اه لو تعرف
**************************
مر شهران على تلك الواقعة
بينما جالس فى بلكونته ممسكا بالجريدة
-ياللا ياماما عشان اقرالك الجرنال
لم يجبه صوت
ترك الجريدة وقام يبحث عن امه حتى وصل لغرفتها فتذكر انها قد فارقت الحياة
،عاد مطاطئ الراس الى البلكونه وعيناه تذرفان الدموع،امسك الجريدة وقال
بصوت عالى
-لو ما جيتيش دلوقتى هاقرا الجرنال لوحدى ،وهاخاصمك
انتظر قليلا عله يتلقى اجابة
-ماما .............. ما......
يهتز صوته وتقاطعه دموعه ،يترك الجريدة تسقط من يده فى استسلام ،يقول بصوت متهدج
-طب ارجعيلى تانى وعمرى ما هازعلك مرة تانية
ولما لم يتلقى ردا كالعادة ،علا صوته بنشيج وبكاء
-طب انشالله يارب ياخدنى لو ما رديتيش عليا
وانخرط فى بكاء كالطفل
_________________