
الحمد لله المُتَفَرِّد بالبقاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو الجبروت والكبرياء، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله إمام الأتقياء، اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الأصفياء، أمَّا بعدُ
من فضل الله علينا ورحمته ان هدانا الى هذا الدين وجعلنا من المسلمين و كثر لنا طرق الخير فيه فمن تلاوة و تسبيح وذكر وحسن خلق إلى ارفع من ذلك من مال أو بدن حتى عرفت عبادته باسم جامع لكل ما يحبه يرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنه و من تأمل نصوص الوحيين وجدها تحمل في طياتها ما يصلح أمور العباد في ديناهم وآخراهم إذ بها تستقيم أمورهم و تصلح شئونهم و تقضى حاجاتهم .
فإذا علمت أن ما شرع الله تعالى من أحكام أنت من يقطف ثمرتها و ينعم بتطبيقها سعادة دنيوية و فوزا أخرويا فان منفعتك تشمل مجتمعك كله لينعم بما تنعم به و يستظل بظل الشريعة السمحة كل مسلم متبع منقاد لأمر الله مجتنب نواهيه . إن المجتمع الذي ينعم بتطبيق الشريعة بين أفراده يسوده الأمن ويعمل فيه النظام و تسود فيه الفضيلة و تقل فيه الرذيلة تحفظ فيه الأموال و تصان فيه الأعراض وتحفظ فيه العقول من كل ما يضر بها من مسكرات أو أفكار منحله و تحفظ فيه القلوب من كل ما يضلها كالأهواء والشبهات
أيها المسلم هذه الكلمات و تلك التوصيات تندرج تحت حديثه صلى ا لله عليه وسلم حيث يقول "المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده"
تأمله وقف عنده واحفظه واجعله نصب عينيك و ملء فؤادك فلو عملت به كفاك ولو وقفت عند معناه و حزت في تطبيق الوصايا الجامعة من خير البشر .
كما إن سلامة المسلمين من لسانك و يدك يوجب عليك العمل بقول ربك " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا" وفي قوله " خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ" و بقوله " وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً" وبقوله " وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ" وبقوله " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" وغير ذلك من آيات الكتاب الحكيم ويحدوك امتثال ذلك الى الاتصاف يهديه صلى الله عليه وسلم في قوله " وكونوا عباد الله أخوانا و"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" نصب عينيه " والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه" وقوله " لا تغضب" و في الحديث الأخر " الدين النصيحة" مجتنب للشبهات طيب مطعمه يترك ما يريبه إلى ما لا يريبه
أن المسلم كله حرام دمه و ماله و عرضه لا يحقر أخاه ولا يسلمه ولا يخذله و لا يهضمه فإذا ذكر عنده أخوه المسلم قال خيرا أو صمت يكرم ضيفه و يؤدم جاره يتقي الله حيثما كان و يتبع السيئة الحسنة و يخالق الناس بخلق حسن مدرك تمام الإدراك أن الحياء شعبة من الإيمان
ولما كان ديننا كذلك جعل جعل تمامه و حليته سلامة المسلمين من لسانك و يدك وات في النهاية الرابح فالمفلس من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من جاء يوم القيامة ولم يسلم المسلمون من لسانه ويده فيأتي وقد شتم هذا و ضرب هذا و سفك دم هذا وأكل مال هذا فيقتص منه يوم الدين بحسناته التي اتخذها من عبادته و طاعته و من سلم المسلمون من لسانه و يده - سلم هو من تبعات ذلك يوم يقوم الناس لرب العالمين و تنشر الدواوين و توضع الموازيين فلا ينفع نفس شيئا والوزن يومئذ الحق فكن أيها المسلم ممن ثقلت موازينهم و حذار من الذين خفت موازينهم فؤلئك هم الخاسرون
فالمسلم الحق صادق في أخوته مخلص في مودته عضو صحيح في جسم أمته مستمسك بهدي نبيه صلى الله عليه وسلم يتبع قوله "لا تحاسدوا لا تباغضوا ولا تناجشوا ولا تناظروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله أخوانا وإياكم والظن فان الظن اكذب الحديث"
هذه هي الشريعة التي جاء بها الوحي المنزل وكلام من لا ينطق عن الهوى وعلمنا الأدب فما أحسن تعليمه وما أكمل دينه وصدق الله تعالى حين امتن علينا به ووصفه فقال " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ"
وقبل ان اختم كلامي اليكم هذه طرفة والتي تبين حرص السلف على مما ذكر انفا ذكر الإمام ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" عند ترجمة قاضي البصرة، الذي يُضرب بذكائه المثل: إياس بن معاوية المُزَنِي (46-122ه)،عن أحد تلامذته أنّه قال: ذكرتُ رجلاً من المسلمين بسوء عند القاضي إياس، فنظر فيّ وقال: أغزوتَ الرّوم؟ قلتُ: لا . قال: أغزوتَ السّند والتٌرك؟ قال: لا. قال: أفيسلم منك الرّوم والسند والتّرك، ولا يسلم منك أخوك المسلم؟.
جمعني الله وإياكم به في جنة عالية يقال لأهلها " كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية"
وصلى الله وسلم على نبينا محمد
قاله الشيخ / عادل بن سالم الكلباني مع حذف واضافة وتعديل
الجمعة 20 جمادى الثانية 1425
والسلام عليكم ورحةم الله وبركاته