قال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً ) ( الفرقان : 47 )
النوم حقيقة أساسية للحياة البشرية ، لكن الباحثين لا يعرفون على سبيل التأكد اسباباً ضرورية له ، وتتراوح النظريات : فربما يتولى الجسد إصلاح الاضرار بالانسجة المستهلكة عندما ننام ... وربما تعيد شحن نفسها ، كما يتيح النوم للدماغ الفرصة لدمج الحقائق الهامة ، والذكريات والانطباعات العاطفية المسجلة في اليوم السابق ، وربما تكون الاجابة هي كل الاشياء السابقة.
إلا أن الباحثين يركزون بطريقة متزايدة على الدور الذي يلعبه النوم في ترسيخ ودعم الذكريات ... ويبدو أن الدراسات الاخيرة قد تابعت عملية دمج الذكريات خلال عمله ، وأشاروا إلى أن الحياة الليلية العصبية اكثر ثراءً مما كان يعرف سابقاً ... فالدماغ النائم لا يتولى تحديد الحقائق الهامة من التافهة ، كما أشارت الدراسات ، ولكن يعيد التفاعل الاجتماعي ويظلل الخبرات مع الألوان العاطفية لكي تصبح أكثر شمولية ، ولذا فإن إعاقة النوم الطبيعي يمكن ان يكون مرهقاً.
ويعاني حوالي 50 مليون اميركي من بعض مشاكل النوم ، من الأرق إلى بعض المشكلات النادرة مثل احتكاك الاسنان اثناء النوم ، ومتلازمة الساق غير المريحة ( أي : الاشخاص الذين يحركون سيقانهم كثيراً أثناء النوم ) ... ومن بين كل تلك الحالات تعتبر حالة اعاقة النوم هي اكثرها تسبباً في مشاكل : فخلال النوم ، تضيق القصبة الهوائية لدرجة أن الشخص يستيقظ وهو يهتز ويتنفس بصعوبة ... وكل اعاقة لعملية النوم تقضى على «ممرضة الطبيعة الهادئة» على قول شكسبير.
ولا يدهش أي شخص عانى من مشاكل نوم لمدة أسبوع أو أكثر عندما يسمع أن مشاكل النوم مرتبطة بالمشكلات الجسدية ... مثل : ضغط الدم والمتاعب العاطفية ، ولاسيما الاكتئاب ... وهؤلاء الذين لا ينامون لفترات طويلة يمكن تعرضهم لمشكلات نفسية ، قد تصل إلى درجة الهلوسة ... وكما يرى خبراء الاعصاب كل استيقاظ يلقي الضوء على غرفة الدماغ المظلمة في الوقت الذي كانت تتطور فيه صورة عقلية دقيقة ، وتحاول بعض الدراسات ربط مراحل النوم بوظيفة محددة ، مثل تثبيت الذاكرة ، بحيث يمكن للاطباء معالجة المشكلات المرتبطة بالنوم.
ويأتي النوم باشكال مختلفة منها ( النوم العميق او نوم الموجات البطيئة ) حيث يوزع الجسد مستويات عالية من الهرمونات يعتقد انها تشمل اصلاح الانسجة ... وفي نفس تلك المرحلة يبدو أن الدماغ يدعم الذكريات الثقافية بطريقة اكثر فاعلية ، مثل حفظ الكلمات والارقام.
وقد حقق العلماء في الأونة الاخيرة اكتشافات لم يسبق لها مثيل في طريقة عمل الدماغ خلال مرحلة نوم الموجة الهادئة ... ففي واحدة من تلك الدراسات ، عرض الباحثون الألمان أن رائحة معروفة تساعد الطلبة النائمين على تذكر افضل للأشياء التي تعلموها في الليلة السابقة ، فرائحة الورود خلال الدراسة ، ثم بعد ذلك خلال النوم يبدو ان تكثف العملية الطبيعية للذكريات.
وعندما تعرض طالب إلى رائحة وهو في مرحلة نوم الموجة البطيئة ينشط جزء من الدماغ يطلق عليه اسم قرين امون ، حيث يعتقد انه يعمل لكي يستوعب أحداث اليوم السابق ... وتبين ان الراوئح خلال مرحلة حركة العين السريعة ليس لها أي تأثير.
وهو امر مفهوم ، فقد درس الطلب موقع زوجين من اوراق اللعب ، وهي مهمة عقلية جادة خالية من أي حكايات او محتويات عاطفية التي تزحم مرحلة حركة العين السريعة ... والصور المضطربة خلال مرحلة حركة العين السريعة ، كما يشير بعض العلماء ، ربما تعكس جهود الدماغ على دمج ردود الفعل العاطفية ، أي ربما يضيف اضاءة مزاجية إلى مشاهد جرى دعمها في مناطق اخرى من الدماغ ... وقد حلل باحثون في ماساشوستس يوميات الطلبة عن الاحلام ، حيث قارنوا بعض الاحلام بعد وقبل 11 سبتمبر 2001.
وقد تغيرت أحلام الطلبة بطريقة هامة بعد الهجمات ، وضمت 4 مرات من الصور التهديدية ... وفي دراسة أجريت عام 2005 ، حللت يوميات الطلبة عن الأحلام بالإضافة إلى قراءات من حركة رموش العين ، وجد العلماء أنه من المرجح أن التفاعل الاجتماعي النشط يجري خلال مرحلة حركة العين السريعة أكثر منه في مراحل اخرى ... وبدأ العلماء في الاعتقاد أن كل مرحلة من النوم متخصصة في تحليل نوعية معينة من المعلومات ، ولذا فإن الفروق الحادة بين مرحلة حركة العين السريعة ونوم الموجة البطيئة وغيرها من المراحل تزداد أهمية ... فبينما أدوية علاج مشاكل النوم المطروحة في الاسواق تعمل على تأكيد النوم ، إلا أنها لا تزيد نوم الموجات البطيئة.
ومثل هذه الادوية أفضل بكثير من حالات الأرق ، ولكنها لا تعتبر بديلاً للنوم العميق الطبيعي ودعم الذكريات المركز ... ويختلف الأشخاص اختلافاً كبيراً في ما يتعلق بكمية ونوعية النوم الذي يحتاجونه ، ومع زيادة السن ، يبدو أن الجسد يجد صعوبة في دخول مرحلة النوم السريع ... والبعض منا في حاجة ملحة لمرحلة نوم الموجات البطيئة ، البعض الآخر يشعرون بالحاجة إلى مرحلة نوم حركة العين السريعة ... وفي السنوات القادمة فإن تحديات أبحاث النوم ، ستمنح الاطباء والمرضى الذين يعانون من قلة النوم الفرصة ، ليس فقط للنوم أكثر ، ولكن ربما لنوعية النوم الذي يحتاجونه.