الشركة...((نود الإحتفاظ بك لكن مصلحة الشركة فوق كل اعتبار... يجب أن نحد من النفقات...))...كانت أخر كلمات قالها المدير...
جمع أوراقه ..أقلامه ..صورة لزوجته و أولاده كانت تزين مكتبه...
هنا في هذا المكتب أمضى اثنا عشر سنة...كانت البداية مع بداية الشركة...
و كبرت الشركة و توسعت و ترقى هو في منصبه و يوما بعد يوم زاد مرتبه...
اشترى بيتا بمساعدة قرض من المصرف العقاري و مازال عليه أن يسدد الأقساط لثلاث سنوات قادمة ...!!!
و حصل على سيارة جديدة بعد دفعة مقدمة وثلاثين قسطا..لديه اثنان و عشرون قسطا تنتظر التسديد !!!
ابنه الأكبر دخل جامعة خاصة و مازال في السنة الأولى...تنتظره أربع سنين دراسية بكل ما فيها من أقساط و كتب و مصروف و و و ....
بنتيه الوسطى و الصغرى مازالتا في الثانوية و ما زال عليه تأمين ملابس مناسبة لهما و كتب و مصروف لإكمال دراستهما أو ليأتي صاحب النصيب ويتكفل بالباقي ....
خرج من الشركة و توجه إلى سيارته ...لم يعد يشعر بالسعادة عندما يركبها...صارت الأن عبئا ...كيف سيتدبر نفقاتها؟؟ !!
أدار المحرك..و سار لا يعرف إلى أين!! لا يستطيع العودة إلى البيت... كيف سيخبر زوجته أنه أصبح بلا عمل!!؟؟
كان يسير ببطئ شديد و لم يكن يسمع زمامير السيارات التي تجمعت خلفه حتى أيقظه سباب سائق استطاع تجاوزه ...
أوقف سيارته...و نزل...لقد قرر المشي ....
كانت نسمات الخريف تتلاعب بخصلات من الشعر الرمادي مازالت تتمسك بمكانها في مؤخرة رأسه....أما الشمس ففضلت إضفاء اللمعان على مساحة فارغة من جبهته ...
كانت الخواطر تتقاذفه...كيف سيجد عملا و قد تجاوز الخامسة والأربعين.؟؟ هل يستطيع السفر الأن إلى إحدى دول الخليج ليبدأ عملا جديدا....
قادته قدماه دون أن يشعر إلى البيت...فوجئت زوجته به و سألت :
- ما الذي أتى بك الآن ؟!و أين سيارتك...و لماذا وجهك شاحب هكذا ...
- لقد فقدت عملي...بادرها ثم أضاف رجاء لنتكلم فيما بعد في الموضوع ...
- ماذا فيما بعد؟! صرخت به مستغربة..و من أين سنأكل؟..من أين سننفق على الأولاد...؟؟كيف ستسدد أقساط البنك ؟؟ كيف ستدفع سندات السيارة.؟؟
- يا حبيبتي بدبرها الله طولي بالك شوي....أجابها بهدوء ...
- يا حبيبي السما ما بتمطر مصاري..!! قوم هلأ دبر شغل جديد... صرخت به ...
- يا مرا خافي ربك خليني بس ارتاح شوي ...
- ترتاح!!؟؟ ليش شو تعبت اليوم ..شو ساويت ...
- كرمال الله بلا وقاحة و أجلي موشحك هلق...خليني أعرف فكر شو بدي ساوي ...
- أنا بتقلي بلا وقاحة!!!؟؟ شو شايفني جاية من الشارع ؟...لك حفيت لوافقت آخدك .!!...
قاطعهما دخول الأولاد فجأة...
- انتو شو جابكن هلق ...بادرهم بغضب ...!!
- شو بابا ... شو ماما شو القصة صواتكن طالعة؟؟ !!
- أبوكم طردوه من العمل..أجابت الأم بتشفي !!
- طردوني!!! شو شايفتيني كلب جعاري...يا مرا ضبي لسانك شوي ...
- تدخل الأولاد...شووووو!!! بابا بلا شغل !!!!
- و منين بدي كمل جامعتي...؟؟
- و منين بدي اشتري كتبي ؟؟
- و منين بدنا نشتري تياب..و كنادر...؟؟؟منين ...منين...؟؟؟ صاح به الأولاد غاضبين..
وليييي شو صار للمرا و الولاد...قالها في نفسه مشمئزاً..
- يا جماعة طولو بالكن بكرا بلاقي شغل جديد....
- إي عيش يا كديش..ردت زوجته ...
- سدي بوزك و بلا قلة أدب ..زودتيها و لساتي ساكتلك...أجابها بغضب..
- ساكتلي!!لأ حبيبي لا تسكتلي..و فرجيني شو بدك تسا لم تكمل كلمتها فقد أسكتها بصفعة على وجهها.!!!!
- وعم تضرب كمان..!! إي والله مالي أعدتلك بهالبيت ..و أسرعت إلى غرفتها تجمع أغراضها ...
- صاح به ابنه و عمتضرب الماما....صحيح أب متخلف !!!
- وتمتمت البنتان شو بدنا نساوي مع هالأب المريض نفسيا..يللا نروح مع ماما...
- لك يا جماعة شو صرلكن؟؟؟صاح مستغربا !!!
أسرع إلى غرفة النوم...يا مرا كبري عقلك...و بلا فضايح ...
- لك الفضيحة إني عايشة معك هالعمر كلو...أجابته بتحد ...
دارت الدنيا في رأسه...أحس بألم يعتصر صدره...صار كل ما حوله ضبابيا....و غاب كل شيئ....
قبلة حانية طبعتها على وجنته..يللا حبيبي لحا تتأخر على شغلك...يللا حبيبي قهوتك جاهزة على البرندا...
كان العرق يتصبب من جبهته ..و قلبه يخفق بشدة...
يضرب الفول و ساعتو .. بحياتي ما بقى اتعشى فول...قالها في نفسه و قلبه يرقص فرحا....